حلقات الوصل
يستمر الجدل حاليا حول تطبيق الشريعة
الإسلامية و انقسم الناس إلى فسطاطين رئيسين ، الأول يرى أن تطبيق الشريعة
الإسلامية واجب ديني يلزم كل ناطق بالشهادتين ، و الآخر يرى أن الشريعة تتعارض مع
الواقع حيث إن ما سن من قوانين للمسلمين من ألفية و نصف لن يصلح لمسلمي اليوم.
لن أسهب في تفصيل كل رأي أو أدعم
رأيا و أفند آخر ، و لكني سأوضح بعض الأمور التي تخفى على كثير تعين على فهم صححيح
لمفهوم الشريعة و تكون سبيلا لمعرفة اي الفريقين على صواب.
المتفكر في القرآن القريم يرى عجبا ،
لم يدع – حقا – خلافا إلا حسمه أو مشكلة إلا حلها ، ليس بالضرورة أن يكون الحل
صريحا ، و لكن لا يتذكر إلا أولو الألباب. يتميز الإسلام بوجود - ما أسميه –
"حلقات الوصل" ، و هي قوانين سنها الله لتربط الدين بكل شأن من شئون
المسلم و كل علاقاته ، فتؤطر لعلاقة المسلم بنقسه و علاقته بربه و علاقته بالمسلمين
و علاقته بغير المسلمين و علاقته بالحاكم؛ و من يعي هذه الروابط سيفهم أنه يستحيل
عزل الإسلام عن الحياة بما فيها نظام الحكم و إلا كان الإيمان ناقصا.
إن أركان الإسلام رغم بساطتها إلا أن
كل واحدة منها تمثل حلقة للوصل لجانب من جوانب الحياة ، و لكن واحدة منها ارى أنها
الأهم على الإطلاق و قادرة على حسم الجدل الدائر حول خلط الدين بالسياسة ، ألا و
هي "الزكاة".
نعم ، فالزكاة هي الركن الأوحد من
أركان الدين الذي تتحقق به سيادة الدولة ، فيجب أن يكون الحاكم هو القيم على جمع
الزكاة و صرفها في مصارفها الثمانية التي فرضها الله ، كما أنها أيضا هي الركن
الأوحد الذي يربط المسلم بغير المسلم لما كان أحد مصارفها "المؤلفة
قلوبهم" ، و كلنا نعرف حروب الردة و موقف "أبي بكر" القوي تجاه
مانعي الزكاة ، فإذا فهمت حقيقة الزكاة فستفطن إلى ما فطن إليه "أبو
بكر" ، فكان بمثابة أول الرافضين لفصل الدين عن الدولة لأنها الرابط السيادي
الوحيد بينهما ، فلله دره حين وعى أن ليس المهم في الزكاة مقدار ما يجمع من المال
، و لكن فعل ممارسة السيادة في تحصيلها و
صرفها هو ركن ركين من أركان الدولة بدونه تميل و تسقط ؛ فقال "و الله لو
منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".
لذا فأرى أن أهم خطوة في تطبيق
الشريعة الإسلامية هي تقنين الزكاة في منظومتنا التشريعية ، و تكون الضرائب مكملة
لها عند الحاجة. لذا أرى أن "الزكاة" تقطع كل قول في جدلية فصل الدين عن
الدولة ، حيث إتهما غن انفصلا فسيختل ركن من أركان الإسلام ، خاصة و أن الله أمر
رسوله بأن يحصل بنفسه الزكاة من المسلمين
و يوزعها هو لا أن يترك الأمر لآحاد المسلمين.
حلقة أخرى في باب الحريات تكلمت عنها
سابقا ، و هي سلسلة من الأوامر و النواهي في القرآن الكريم لم تصل لدرجة الواجب أو
الفرض ، و لكن ما تبعها من عبارات تنفيرية أو بشيرية يجعلنا نراجع أنفسنا ألف مرة قبل مخالفة أمر
الله ، مثل قول الله تعالى "و لا تبذر تبذيرا (إن المبذرين كانوا إخوان
الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا)"
و قوله "و كلوا و اشربوا و لا
تسرفوا (إنه لا يحب المسرفين)"
و قوله " يا أيه النبي قل
لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن (ذلك أدنى أن يعرفن فلا
يؤذين)"
هذا و غيره في باب الحريات يوضح أن
حريتك لا تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين كما يدعون ، و لكنها تنتهي حيث أراد الله ،
فلست مطلق الحرية في مالك أو لباسك أو طعامك و شرابك أو جسدك أو عقلك ، و هذا يؤطر
لطبيعة العلاقة بين الإنسان و المجتمع في الإسلام.
إنهم قد شوهوا الدين و قلصوه ،
فقالوا أن ديني علاقة بيني و بين ربي لا يتدخل فيها أحد ، و تلك حقيقة منقوصة ،
فكل حلقات الوصل في الإسلام تشمل علاقة الإنسان بربه كطرف ثالث ، و لكن ليس في
الإسلام ركن تكون العلاقة فيه صرفة بين العبد و ربه إلا الشهادتين ، و إن كان
الجهر بهما أيضا أمام الناس ركن.
ستلاحظون أني لم أورد في كلامي حديثا
واحدا ، و هذا لعلة قد توجد في القارئ نفسه ، فبعض الناس لديه حساسية من البخاري –
رحمه الله - و أبي هريرة – رضي الله عنه –
فأحببت أن أكتفي بأدلة من كتاب الله و إن كنت أود القول أن من ينكر السنة أو يتشكك
فيها أو لا يأخذ بها فهو على حافة الملة ، بل قد يخرج عنها كلية ، لأن تشريعات
الرسول وحي من عند الله كما أن من نقلوا القرآن هم من نقلوا السنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق