الأربعاء، أغسطس ٢٢، ٢٠١٢

حلقات الوصل -1

حلقات الوصل
يستمر الجدل حاليا حول تطبيق الشريعة الإسلامية و انقسم الناس إلى فسطاطين رئيسين ، الأول يرى أن تطبيق الشريعة الإسلامية واجب ديني يلزم كل ناطق بالشهادتين ، و الآخر يرى أن الشريعة تتعارض مع الواقع حيث إن ما سن من قوانين للمسلمين من ألفية و نصف لن يصلح لمسلمي اليوم.
لن أسهب في تفصيل كل رأي أو أدعم رأيا و أفند آخر ، و لكني سأوضح بعض الأمور التي تخفى على كثير تعين على فهم صححيح لمفهوم الشريعة و تكون سبيلا لمعرفة اي الفريقين على صواب.
المتفكر في القرآن القريم يرى عجبا ، لم يدع – حقا – خلافا إلا حسمه أو مشكلة إلا حلها ، ليس بالضرورة أن يكون الحل صريحا ، و لكن لا يتذكر إلا أولو الألباب. يتميز الإسلام بوجود - ما أسميه – "حلقات الوصل" ، و هي قوانين سنها الله لتربط الدين بكل شأن من شئون المسلم و كل علاقاته ، فتؤطر لعلاقة المسلم بنقسه و علاقته بربه و علاقته بالمسلمين و علاقته بغير المسلمين و علاقته بالحاكم؛ و من يعي هذه الروابط سيفهم أنه يستحيل عزل الإسلام عن الحياة بما فيها نظام الحكم و إلا كان الإيمان ناقصا.
إن أركان الإسلام رغم بساطتها إلا أن كل واحدة منها تمثل حلقة للوصل لجانب من جوانب الحياة ، و لكن واحدة منها ارى أنها الأهم على الإطلاق و قادرة على حسم الجدل الدائر حول خلط الدين بالسياسة ، ألا و هي "الزكاة".
نعم ، فالزكاة هي الركن الأوحد من أركان الدين الذي تتحقق به سيادة الدولة ، فيجب أن يكون الحاكم هو القيم على جمع الزكاة و صرفها في مصارفها الثمانية التي فرضها الله ، كما أنها أيضا هي الركن الأوحد الذي يربط المسلم بغير المسلم لما كان أحد مصارفها "المؤلفة قلوبهم" ، و كلنا نعرف حروب الردة و موقف "أبي بكر" القوي تجاه مانعي الزكاة ، فإذا فهمت حقيقة الزكاة فستفطن إلى ما فطن إليه "أبو بكر" ، فكان بمثابة أول الرافضين لفصل الدين عن الدولة لأنها الرابط السيادي الوحيد بينهما ، فلله دره حين وعى أن ليس المهم في الزكاة مقدار ما يجمع من المال ، و لكن فعل ممارسة السيادة  في تحصيلها و صرفها هو ركن ركين من أركان الدولة بدونه تميل و تسقط ؛ فقال "و الله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".
لذا فأرى أن أهم خطوة في تطبيق الشريعة الإسلامية هي تقنين الزكاة في منظومتنا التشريعية ، و تكون الضرائب مكملة لها عند الحاجة. لذا أرى أن "الزكاة" تقطع كل قول في جدلية فصل الدين عن الدولة ، حيث إتهما غن انفصلا فسيختل ركن من أركان الإسلام ، خاصة و أن الله أمر رسوله بأن يحصل بنفسه  الزكاة من المسلمين و يوزعها هو لا أن يترك الأمر لآحاد المسلمين.
حلقة أخرى في باب الحريات تكلمت عنها سابقا ، و هي سلسلة من الأوامر و النواهي في القرآن الكريم لم تصل لدرجة الواجب أو الفرض ، و لكن ما تبعها من عبارات تنفيرية أو بشيرية  يجعلنا نراجع أنفسنا ألف مرة قبل مخالفة أمر الله ، مثل قول الله تعالى "و لا تبذر تبذيرا (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا)"
و قوله "و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا (إنه لا يحب المسرفين)"
و قوله " يا أيه النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)"
هذا و غيره في باب الحريات يوضح أن حريتك لا تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين كما يدعون ، و لكنها تنتهي حيث أراد الله ، فلست مطلق الحرية في مالك أو لباسك أو طعامك و شرابك أو جسدك أو عقلك ، و هذا يؤطر لطبيعة العلاقة بين الإنسان و المجتمع في الإسلام.
إنهم قد شوهوا الدين و قلصوه ، فقالوا أن ديني علاقة بيني و بين ربي لا يتدخل فيها أحد ، و تلك حقيقة منقوصة ، فكل حلقات الوصل في الإسلام تشمل علاقة الإنسان بربه كطرف ثالث ، و لكن ليس في الإسلام ركن تكون العلاقة فيه صرفة بين العبد و ربه إلا الشهادتين ، و إن كان الجهر بهما أيضا أمام الناس ركن.
ستلاحظون أني لم أورد في كلامي حديثا واحدا ، و هذا لعلة قد توجد في القارئ نفسه ، فبعض الناس لديه حساسية من البخاري – رحمه الله -  و أبي هريرة – رضي الله عنه – فأحببت أن أكتفي بأدلة من كتاب الله و إن كنت أود القول أن من ينكر السنة أو يتشكك فيها أو لا يأخذ بها فهو على حافة الملة ، بل قد يخرج عنها كلية ، لأن تشريعات الرسول وحي من عند الله كما أن من نقلوا القرآن هم من نقلوا السنة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق