عندما درسنا حل المعادلات التفاضلية ، درسنا تحوبل لابلاس ، و قد استخدمناه في حل المعادلات دون أن نتسائل كيف نشأت تلك الصيغة و هل هي صحيحة أم خاطئة لتيقننا أننا لسنا متخصصين في الرياضيات البحتة و ليس لدينا الخلفية الكافية من العلم لاستنباط تلك الصيغة أو مايشابهها أو نقدها.
اذا اسقطنا الحالة السابقة على استنباط الاحكام من النصوص لوجدنا ان استنباط الاحكام ليس من السهولة كي يقوم به كل فرد اعتمادا على معارفه المحدودة غير المتخصصة. و الله لم يلزم كل المسلمين بحفظ القرآن أو دراسة الفقه ، بل الزم الانسان ان يعلم ما يكفيه لتأدية شئونه الخاصة على أكمل وجه و فرض أن تتخصص فئة من المسلمين -اخر سورة التوبة- في دراسة تلك العلوم كي يكونوا مرجعا لاخوانهم مع بقاء النص و أحقية الوقوع على حيثيات الحكم لو شاء.
و كلمة "مع" التي ذكرتها في العنوان "الاجتهاد مع النص فضيلة" تختلف تماما عن المقولة الأصلية"لا اجتهاد مع النص" ، فالأولى التي قلتها تعني "في صالح" بدليل قولك "نعم للاجتهاد مع النص و ليس ضد النص" ، بينما الثانية تعني"في وجود" ، مما أرى أنه يحمل لبسا ، فأرى أن تغير العنوان الى "الاجتهاد في صالح النص فضيلة" ليزول اللبس و يتضح الاختلاف .
نأتي لعنوان المقال و أوله "الاجتهاد" ، و الاجتهاد مصطلح اسلامي و ليس مجرد كلمة نطلقها كيف نشاء ، فلها ضوابطها -الكلمة- و معناها المجمع عليه ، و هو "بذل الوسع في استنباط الحكم اذا خفي أو عدم" ، أي أن الاجتهاد وسيلة يلجأ إليها المسلم في ايجاد الحكم لوسيلة ما اذا خفي حكمها بأنه لا يعلمها و لا يجد من يسأله في هذا الحكم ، أو أن الحكم غير موجود أصلا كما يستحدث في الحياة من ظواهر تستلزم احكاما تضبطها. و الاجتهاد له أدوات أربع معروفة هي "القرآن" و "السنة" و "القياس" و "الاجماع" ، فالنص هنا و هو القرآن و السنة ليس هو في ذاته مصدر الحكم المستحدث ، بل يخضع للقياس و الاجماع من أجل تعميم حكم موجود على الظواهر الحادثة.
و مما سلف أظن أنه من الواضح أن أصل "لا اجتهاد مع النص" هو مفهوم الاجتهاد أصلا ، فحين يقول الله مثلا "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" ، فأي اجتهاد يحتمله هذا النهي الصريح حين يأمر باجتناب تلك المنكرات الأربع ؟ ، فالأمر واضح و ثابت لما يحمله النص من أحكام واضحة ظاهرة. و لكن عندما استحدثت المخدرات مثلا لزم اعادة تعريف لمعنى الخمر ليشمل معناها كل ما يذهب العقل ، فالاجتهاد هنا "باستخدام النص" لاستنباط حكم لظاهرة حادثة و هي المخدرات من ما قد يخفى داخل النص ، و ليس لابطال الحكم عن الخمر (الظاهرة الواضحة). و لما لم تظهر ضرورة الاجتهاد في الحكم الا عند ظهور الظاهرة الحادثة و هي هنا المخدرات فالاجتهاد قبل ظهورها ليس له قيمة او داع.
و أما عن حركة النص التي تدعيها ، فالنصوص الدينية ليست حرة أو مطلقة على أعنتها ، بل تحكمها ضوابط منها أولا "الإيمان" و هذا أكثر ما يميز النص الديني عن فرضية دارون مثلا، فأنت لا تعمل عقلك وحده في النص بل و قلبك أيضا ، فأنت تؤمن أن من قال هذا النص هو الرب الاله ، و شتان بين الله و دارون "تعالى الله علوا كبيرا" ، و ثانيها "السياق" ، و المثال المشهور قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى..." ، فلك أن تتخيل كيف يكون الحكم لو نزع النهي من سياقه ، و ثالثها "الحال و المناسبة" ، فحين يقول الله "فصلٍّ لربك و انحر" فليس معناه النحر بعد أي صلاة بل المناسبة محددة و هي عيد الأضحى ...هذا للتوضيح و غيرها مما تجده في كتب أصول الفقه الكثيرة.
أخيرا أود أن أضيف أن الاجتهاد مفتوح للجميع في حالة الضرورة و انعدام العلم و الفتوى ، فمثلا إذا انقطعت السبل بمسلم في البيداء و حضرته الصلاة مع جهلة بوقت الصلاة أو اتجاه القبلة ، فحينها يجتهد في تحديد الوقت و الجهة ، هذا لأنه جاهل بها ، و لكن في حالة توفر ما يستطيع به دفع جهله ، فيحرم الاجتهاد حينها تكاسلا أو جحودا.
و هذا هو المعنى الحقيقي لقولنا "لا اجتهاد مع النص"
المقال الاصلي : http://www.mostakela.net/vb/t97062.html
اذا اسقطنا الحالة السابقة على استنباط الاحكام من النصوص لوجدنا ان استنباط الاحكام ليس من السهولة كي يقوم به كل فرد اعتمادا على معارفه المحدودة غير المتخصصة. و الله لم يلزم كل المسلمين بحفظ القرآن أو دراسة الفقه ، بل الزم الانسان ان يعلم ما يكفيه لتأدية شئونه الخاصة على أكمل وجه و فرض أن تتخصص فئة من المسلمين -اخر سورة التوبة- في دراسة تلك العلوم كي يكونوا مرجعا لاخوانهم مع بقاء النص و أحقية الوقوع على حيثيات الحكم لو شاء.
و كلمة "مع" التي ذكرتها في العنوان "الاجتهاد مع النص فضيلة" تختلف تماما عن المقولة الأصلية"لا اجتهاد مع النص" ، فالأولى التي قلتها تعني "في صالح" بدليل قولك "نعم للاجتهاد مع النص و ليس ضد النص" ، بينما الثانية تعني"في وجود" ، مما أرى أنه يحمل لبسا ، فأرى أن تغير العنوان الى "الاجتهاد في صالح النص فضيلة" ليزول اللبس و يتضح الاختلاف .
نأتي لعنوان المقال و أوله "الاجتهاد" ، و الاجتهاد مصطلح اسلامي و ليس مجرد كلمة نطلقها كيف نشاء ، فلها ضوابطها -الكلمة- و معناها المجمع عليه ، و هو "بذل الوسع في استنباط الحكم اذا خفي أو عدم" ، أي أن الاجتهاد وسيلة يلجأ إليها المسلم في ايجاد الحكم لوسيلة ما اذا خفي حكمها بأنه لا يعلمها و لا يجد من يسأله في هذا الحكم ، أو أن الحكم غير موجود أصلا كما يستحدث في الحياة من ظواهر تستلزم احكاما تضبطها. و الاجتهاد له أدوات أربع معروفة هي "القرآن" و "السنة" و "القياس" و "الاجماع" ، فالنص هنا و هو القرآن و السنة ليس هو في ذاته مصدر الحكم المستحدث ، بل يخضع للقياس و الاجماع من أجل تعميم حكم موجود على الظواهر الحادثة.
و مما سلف أظن أنه من الواضح أن أصل "لا اجتهاد مع النص" هو مفهوم الاجتهاد أصلا ، فحين يقول الله مثلا "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" ، فأي اجتهاد يحتمله هذا النهي الصريح حين يأمر باجتناب تلك المنكرات الأربع ؟ ، فالأمر واضح و ثابت لما يحمله النص من أحكام واضحة ظاهرة. و لكن عندما استحدثت المخدرات مثلا لزم اعادة تعريف لمعنى الخمر ليشمل معناها كل ما يذهب العقل ، فالاجتهاد هنا "باستخدام النص" لاستنباط حكم لظاهرة حادثة و هي المخدرات من ما قد يخفى داخل النص ، و ليس لابطال الحكم عن الخمر (الظاهرة الواضحة). و لما لم تظهر ضرورة الاجتهاد في الحكم الا عند ظهور الظاهرة الحادثة و هي هنا المخدرات فالاجتهاد قبل ظهورها ليس له قيمة او داع.
و أما عن حركة النص التي تدعيها ، فالنصوص الدينية ليست حرة أو مطلقة على أعنتها ، بل تحكمها ضوابط منها أولا "الإيمان" و هذا أكثر ما يميز النص الديني عن فرضية دارون مثلا، فأنت لا تعمل عقلك وحده في النص بل و قلبك أيضا ، فأنت تؤمن أن من قال هذا النص هو الرب الاله ، و شتان بين الله و دارون "تعالى الله علوا كبيرا" ، و ثانيها "السياق" ، و المثال المشهور قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى..." ، فلك أن تتخيل كيف يكون الحكم لو نزع النهي من سياقه ، و ثالثها "الحال و المناسبة" ، فحين يقول الله "فصلٍّ لربك و انحر" فليس معناه النحر بعد أي صلاة بل المناسبة محددة و هي عيد الأضحى ...هذا للتوضيح و غيرها مما تجده في كتب أصول الفقه الكثيرة.
أخيرا أود أن أضيف أن الاجتهاد مفتوح للجميع في حالة الضرورة و انعدام العلم و الفتوى ، فمثلا إذا انقطعت السبل بمسلم في البيداء و حضرته الصلاة مع جهلة بوقت الصلاة أو اتجاه القبلة ، فحينها يجتهد في تحديد الوقت و الجهة ، هذا لأنه جاهل بها ، و لكن في حالة توفر ما يستطيع به دفع جهله ، فيحرم الاجتهاد حينها تكاسلا أو جحودا.
و هذا هو المعنى الحقيقي لقولنا "لا اجتهاد مع النص"
المقال الاصلي : http://www.mostakela.net/vb/t97062.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق